العودة إلى أصوات العالم
الشهادة

الأولى في القسم مرتين


جنوب شرق المغرب

رسم توضيحي لمريم في لحظات مختلفة من قصتها: وهي تدرس في طفولتها، وتخرجها بالعباءة والقبعة الجامعية، وحياتها العائلية في المغرب

قصة نتشاركها في أصوات العالم

في أوبونتو كناريا، نؤمن بأن لكل شخص قصة تستحق أن تُسمع.

من خلال أصوات العالم، نريد أن نفتح مساحة يمكن فيها للأشخاص أنفسهم مشاركة تجاربهم وثقافاتهم وأحلامهم بصوتهم الخاص، مساهمين بذلك في بناء مجتمع أكثر انفتاحًا وتنوعًا وتعددًا ثقافيًا.

القصص التي ننشرها لا تدّعي تمثيل تجربة جميع المهاجرين. فكل قصة تعكس واقعًا شخصيًا، له ظروفه وتحدياته وآماله الخاصة. وهذا التنوع في الأصوات هو بالضبط ما يثري هذا المشروع.

اليوم نشارككم شهادة مريم الوالي، البالغ من العمر 31 عامًا، وهو شاب مغربي من إقليم سيدي سليمان، يحدثنا عن رغبته في العمل ومساعدة والديه وبناء مستقبل أفضل دون تعريض حياته للخطر.

الشهادة

أنا فتاة مغربية أنحدر من منطقة الجنوب الشرقي، وهي منطقة معروفة بتقاليدها وعاداتها القاسية اتجاه الإناث، فهناك؛ حين تنتهي الفتاة من دراسة المستوى الابتدائي تودع الدراسة نهائيا، وتشرع في الاستعداد لمرحلة الزواج، فعندنا سن 16 هو السن المناسب الذي تكون فيه حظوظ الزواج بكثرة، وأحيانا تتزوج في أقل من ذاك العمر، وإلا فكلما زادت الفتاة في العمر قل حظها في الزواج.

أما عني أنا فقد نشأت في هذا الوسط، وكنت تلميذة مجتهدة، فأذكر أنني من الثالثة ابتدائي وأنا دائما الأولى في قسمي، فكان والدي يفرح كثيرا بهذا الإنجاز ويفتخر بي في اجتماعات العائلة. فأرى عيناه تلمعان فرحا وهو ما يزيدني حماسا وتشجيعا على العطاء أكثر.

أنهيت مرحلة الابتدائي، وكعادتي: أنا الأولى في قسمي، وهنا المرحلة المفصلية، هل أتمم دراستي يا ترى؟ مع العلم أن مؤسسة الإعدادي تبعد عن منطقة سكنانا بنصف ساعة بالدراجة الهوائية، أضف إلى ذلك أن ثقافتنا تمنع الإناث من إكمال الدراسة لهذا السبب، ولسبب الاستعداد للزواج لأنهم يرونه أولى بالنسبة لهن. وهنا ستكون المفاجأة!

في آخر يوم لي في المدرسة الابتدائية، استدعى أستاذي الذي درسني السنة الثالثة أبي إلى المدرسة، وأشاد باجتهادي وحسن تربيتي، فشجع أبي لأن يكمل لي دراستي، ووجهه للتوجه إلى مدير الإعدادية التي انتقلت إليها. وفعلا، تفاعل أبي إيجابيا مع كلام أستاذي، وتوجه فورا للمدير؛ الذي قدم بدوره مجموعة من التحفيزات مثل: إرسال ابنته معي لتؤنسني في الطريق؛ فهي تقطن قربنا وفي نفس سني، وأيضا وعده بأن يجمعنا في قسم واحد، ووعده أيضا بإبقائنا داخل المؤسسة في الفترة البينية (بين الفترة الصباحية والمسائية)، فكانت هذه المحفزات كافية لإقناع أبي بقبول إكمال دراستي.

وبهذا يكون حلمي الأول قد تحقق، لا أخفيكم ما عاناه والداي من انتقادات في بلدتنا، فقد اعتبروه تحديا لهم، لكنهما كانا قويين في المواجهة، أما أنا فقد تحملت كامل المسؤولية في الدراسة بجد والنجاح بتفوق، فقد كنت الأولى أيضا كعادتي، وهذه المرة على مستوى مؤسستي كلها، وذلك على مدى ثلاث سنوات متتالية، وهنا انتهت مرحلة الإعدادي بنجاح مميز، لكن في آخر السنة حدث ما كان متوقعا.

في يوم وأنا راجعة كالمعتاد من دراستي، وجدت أبي يناقش موضوعا مع أمي، من رؤيتهما اكتشفت فورا أهميته، ليستدعيني للجلوس بجانبه، وأخبرني بأن ابن صديقه طلبني للزواج وأنني في سن مناسب لذلك، وأخبرني أيضا أنني سأنتقل للعيش في المدينة فور زواجي، فنزل الخبر كالصاعقة على صدري، فأنا القادمة بخبر نجاحي وتخرجي من الإعدادي، أستقبل بخبر الزواج المنهي لحلمي بالدراسة بصفة نهائية.

طبعا، رفضت وبكيت ورجوت أبي برفض العريس، لكنه لم يقبل بحجة أن الزوج يتوفر على جميع صفات الزوج الصالح، وأنني وصلت سن الزواج المناسب حسب العادات والتقاليد، فلم يكن لي رأي آنذاك، أرغمت على دفن حلمي وتحقيق حلم أبي بان يراني زوجة في بيتي.

بعد عام كامل، تزوجت بالرجل الذي اختاره أبي، وانتقلت للعيش بمدينة فاس، وانغمست في تفاصيل الحياة الزوجية ومسؤولياتها، إلا أنني لم أنس يوما حلم إكمال دراستي يوما ما، دائما ما أتحدث لزوجي عن هذا الحلم، فكان يرد أحيانا بـ «إن شاء الله»، وأحيانا يذكرني بمسؤولية تربية الأبناء وأنها الأولى لسيدة البيت.

لكنني لم أيأس أبدا، وكنت على يقين تام بأنني سأكمل يوما ما دراستي، وأبين للجميع أنني قادرة على الموازنة بين بيتي وأحلامي.

مرت تسع سنوات على هذا المنوال، فجاءت فترة التسجيل للباكالوريا أحرار، وهنا رجوت زوجي بأن يسمح لي بالتسجيل واعدة إياه بأن أدرس في المنزل فقط حتى فترة الامتحانات، فقبل على مضض، لكن لا بأس، وأخيرا بدأت أشتم رائحة النجاح، فاشتريت ملخصات الدروس، وشرعت بالاستعداد للامتحان، وفعلا نجحت من الدورة العادية، وتأهلت بذلك لدخول الجامعة، التي تخرجت منها بعد ثلاث سنوات بإجازة في الدراسات الإسلامية؛ أي أنني لم أضيع ولا سنة، ثم بعد ذلك تقدمت لمباراة الدراسات العليا (الماستر)، وتخرجت بشهادة منه بعد سنتين، وفي هذه المرحلة تقدمت بالترشح لمباراة التعليم الإعدادي، ونجحت فيها أيضا بفضل الله، ثم تقدمت لمباراة الدكتوراه، ونجحت بها.

وانا الآن طالبة باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وأستاذة لمادة التربية الإسلامية، وأم لشابين جميلين، وكل هذا بفضل الله عز وجل، وبعده والدي وزوجي، وأختي التي ساندتني في مرحلة دراستي وأنا متزوجة في مسؤولية الأبناء.

أخيرا، أشكر كل من كان له الفضل من قريب أو بعيد في تحقيقي لحلمي، وأرجو أن تكون قصتي إلهاما لمن يحارب من أجل تحقيق أهدافه في هذه الحياة.

نظرة لمواصلة بناء الجسور

في أوبونتو كناريا، نؤمن بأن الاستماع إلى قصص مثل قصة مريم يساعدنا على فهم أن وصول المرأة إلى التعليم ليس متساويا في كل مكان، وأن التمسك بحلم لسنوات طويلة، وسط مسؤوليات وقرارات لا تُختار دائما، هو أيضا شكل من أشكال القوة.

تذكّرنا شهادتها بأن المسارات الحياتية لا تسير دائما في خط مستقيم واحد، وأن الوقت، حين يقترن بالمثابرة، يمكن أن يفتح طرقا كانت تبدو في لحظة ما مغلقة.

الاستماع إلى هذه الأصوات يدعونا إلى النظر إلى الهجرة والهوية من منظور أكثر إنسانية، قائم على الاحترام والمعرفة المتبادلة والتعايش بين الثقافات.

ملاحظة تحريرية. نُشرت هذه الشهادة بإذن من صاحبتها، مريم الوالي. يعكس المحتوى حصريا التجربة الشخصية وآراء صاحبة الشهادة.

شخص يشارك قصته كمهاجر

قصتك أيضًا تستحق أن تُسمع.

كل تجربة تحمل نظرة فريدة إلى العالم. في أصوات العالم، نريد أن نواصل بناء مساحة يمكن فيها للأشخاص مشاركة قصصهم وثقافاتهم ودروسهم لنتقارب أكثر.

أريد مشاركة قصتي اكتشف المزيد من الشهادات